محمد عزة دروزة
314
التفسير الحديث
اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْه جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّه ذلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِه مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ هادٍ ‹ 23 › . « 1 » متشابها : الراجح أن الكلمة هنا بمعنى حسن التساوق والانسجام في نظم القرآن ومحتوياته وأنها غير ما تعنيه جملة وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ في آية سورة آل عمران هذه : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْه آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه مِنْه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِه وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللَّه . . . . « 2 » مثاني : جمع مثنى ، وهي إما أن تكون من التثنية بمعنى التكرار والترديد مرة بعد مرة ، وإما من الثناء . وكلاهما مما يتحمله مفهوم الآية . فالمعنى الأول يعني ما جاء الأسلوب القرآني به من تكرار الوعظ والقصص والأمثال وترديدها . والمعنى الثاني يعني ما احتواه القرآن من صفات اللَّه وأسمائه ومشاهد قدرته وتقرير استحقاقه للثناء والحمد . في الآية تنويه بالقرآن الكريم وأثره ، فاللَّه قد أنزل على رسوله أحسن الكلام . وقد جاء في حسن التساوق والانسجام والمواعظ الروحانية وتنوع أساليب الإنذار والتبشير والقصص وصفات اللَّه وأسمائه الحسنى ومشاهد قدرته وعظمته ما من شأنه أن يثير في الذين يؤمنون باللَّه ويخافونه شعور الرهبة والهيبة والخشوع فتقشعر جلودهم لذكر اللَّه ثم لا تلبث أن تستشعر بالسكينة والطمأنينة . وهذا من أثر هداية اللَّه التي يوفق اللَّه إليها من يشاء من عباده ، أما من لم يوفقه إليها فلن ينتفع بذلك . ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قالوا له : لو حدثتنا فنزلت الآية . ومقتضى الرواية التي لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة أن اللَّه أنزل الآية ردا عليهم . والرواية في المعنى المتبادر منها محل توقف من دون ريب لأن أصحاب رسول اللَّه الأولين رضوان اللَّه عليهم أجل من أن يظنوا أن